الكلمة الثامنة عشرة للسنة الثالثة
حُبُّ الشهوات يقول الله سبحانه وتعالى:«زُيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث». ويأتي التحليل لكل هذه الشهوات ومحبتها بقوله سبحانه:«ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب». إنها الطبيعة البشرية والفِطرة الإنسانية والعادات والتقاليد المكتسبة بسبب أو بغير سبب والتي تجعل من هذا المخلوق، المميز عن سائر مخلوقات الله. فالملائكة بعقل ولا شهوة والبهائم بشهوة ولا عقل أما الإنسان المخصوص في الآية التي ذكرنا فمجبولٌ بالشهوة والعقل، فكيف الخلاص وما السبيل للولوج إلى برّ الأمان وجادّة الحق والصواب وتغليب العقل على الشهوات؟. قيل قديماً: إذا غلّب الإنسان عقله على شهوته وصل بذلك إلى مرتبة الملائكة أما إذا تغلبت الشهوة على العقل فإن الإنسان ينحدر إلى مستوى الحيوان بل أكثر من ذلك، فهو يتعدّى بذلك حدود البهائم ليأخذ دورهم جميعاً فهو مستعدٌ لأن يصبح كلباً يسابق الكلاب بنباحهم ويكون حماراً فيحمل أثقال الناس دون طلب منهم ويكون ثعلباً فيوزع مكره على الكرة الأرضية بكاملها ولعلّ الوظيفة الأبرز لهذا المخلوق هي أن يأخذ دور الوحوش جميعاً فينقضُّ على إخوانه وأبناء جنسه ومن ملّكه الله على مقدّراتهم فيحصل التعدّي بأبشع صُوره فلا تشبع نفسٌ من قليل أو كثير. إن الناس على مختلف توجههاتهم وانتماءاتهم يتصرَّفون بلغة واحدة ولعلها اللغة العالمية الأشمل. فالسارقون لغتهم واحدة والمدخنون أيضاً ينفثون سمومهم بنفس الطريقة وأهل الزنا يفعلون نفس الفعل مهما كانت ألوانهم وأعراقهم. والذين ينشرون الرعب بين الخلائق هم أهل حزبٌ واحد. فلو التقى منافق من بلد ما مع منافق من آخر الدنيا لحصل بينهما الإتفاق وإلا فكيف نفسّر اتفاق العملاء مع أعداء الأمة وكيف بمقدورنا أن نصدّق أولئك الذين يتاجرون بلحوم البشر من كل مكان وفي أي مكان؟. إنها حقيقة مجرَّدة لا يمكن التخلص منها إلا باتباع الشرائع الربّانية والتي يدين بها معظم أهل الأرض ويتمسّكون بظاهرها على الأقل ويتفاخرون بما عندهم أو ما تبقّى من تلك الشرائع، ولكن الذي يحصل لا يمتُّ إلى الأديان بِصِلة. هل هناك دينٌ على وجه الأرض يُحِل قتل النفس البشرية والسيطرة على حريات الآخرين الذين وُلدوا أحراراً؟. أم هل هناك تشريعٌ يبيح للناس السيطرة على مقدّرات شعوب بأكملها وتركها تموت من الجوع؟. نعم، إنها أكثر من شريعة الغاب لأنَّ أهل الغابة يعيشون على الفطرة ولا يعتدي أحدٌ على فطرة غيره. فهل سمعنا أو رأينا يوماً أن كلباً تزوَّج بهرّة، أو حماراً تزوج ببقرة؟ أهل الغابة يسيرون ضمن نظام حيواني متكامل، فقد يخدم الأسد ثعلباً مريضاً على الرغم من أنه سيّد الوحوش. فيا سادة العالم أنتم خدمٌ عند شعوبكم وأهلكم فأدوا الأمانات واتركوا حبّ الشهوات ولوذوا بما عند الله لأن الله عنده حسن المئاب. إذا تركتم هذه الشهوات وارتقيتم إلى الإنسانية الحقة وليس المزيفة فسيصبح كل شيء بمتناولكم وسيُليّنُ الله الحديد بين أيديكم. ونصيحتي للجميع بقراءة سيرة خير خلق الله أجمعين كيف كان يقف مع الصغير والعجوز الهَرم ساعات وساعات على الرغم من وجود وانتظار كبار الصحابة الكرام ليُعطي نموذجاً في القيادة للذين يأتون من بعده، فهل نترك حُبَّ الشهوات ونرتقي إلى مراتب المُجاهدة والورع والتقوى؟ أم أننا سنبقى أسارى شهواتنا ونلعب ويلهنا الأمل حتى يأتي أمر الله، عندها تصدر عنّا الآهات والحسرات فما ينفع ذلك أم أن النفوس اعتادت على الذلّ والمسكنة والرضى بالهزيمة مرّة تلو مرّة. وإلى كلمة أخرى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته القرقف في: 07/02/2010 رئيس بلدية القرقف محمد عبدالواحد الرفاعي
[بلدية القرقف عكار جميع الحقوق محفوظة]